|
وثائق الحرب : خلاف داخل القيادة الأميركية ونقل جلبي وثائق الحرب وقواته تم بدون علم مسؤولي الإدارة
14/3/2006
الشرق الاوسط
رامسفيلد أخطأ في تقييم قدرات «فدائيي صدام»
نيويورك: مايكل غوردون وبرنارد ترينور*
لم يكن قد مضى على الحرب أكثر من أسبوع حينما هدد الجنرال تومي فرانكس بإقالة قائد القوات البرية الميداني.
فمنذ أول أيام الغزو في مارس 2003 تعثرت القوات الأميركية أمام مقاتلي «فدائيي صدام». وقال الليفتنانت جنرال ويليام والاس الذي كان يقود الفيلق البري الخامس صوب بغداد لمراسلَين إن جنوده كانوا بحاجة إلى تأخير تقدمهم صوب العاصمة العراقية لتحجيم تهديد الفدائيين في الخطوط الخلفية.
لكن التهديد تم تجنبه بعد سفر الجنرال ماكيرنان للقاء بالجنرال فرانكس لكن مسلسل الأحداث كشف عن خلافات ضمن القيادة العسكرية الأميركية العليا حول التهديد العسكري العراقي وما هو المطلوب لهزمه.
وكان الخلاف له علاقة بالصلابة غير المتوقعة التي أظهرها الفدائيون في المعارك من أجل الاستيلاء على الناصرية والسماوة والنجف ومدن أخرى على الطريق إلى بغداد، وكان ذلك يخالف ما كان سائدا من قناعة بأن الطرف المواجه الوحيد هو حرس صدام حسين الجمهوري.
وكان عدد «فدائيي صدام» كبيرا وهم مسلحون بشكل جيد في شتى أنحاء البلد ويبدو أنهم عازمون على القتال حتى الموت. لكن بينما قيّم الكثير من الضباط في الميدان الفدائيين بأنهم يشكلون خصما عنيدا كان الجنرال فرانكس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يريانهم بأنهم مجرد نتوءات موضوعة على الطريق نحو بغداد.
لكن وبعد ثلاث سنوات على الغزو ما زال العراق بحاجة إلى فرض الاستقرار فيه. وكان الكثير من القضايا، التي استحوذت على إدارة بوش حول الحرب حاليا مثل الفشل في التنبؤ بإمكانية بروز التمرد وعدم إرسال عدد كاف من الوحدات لتحقيق استقرار البلد بعد سقوط حكومة صدام حسين، موضع توقع في بداية تفجر النزاع ومن بينها:
أولا: حذر ضباط استخبارات قوات المارينز الأميركية بعد معركة الناصرية الدامية التي كانت اول مجابهة في الحرب من أن فدائيي صدام سيبقون يشنون هجمات بعد سقوط بغداد لأن الكثير منهم قد تم تجاوزهم في السباق للوصول إلى بغداد.
ثانيا: في مبادرة مرتجلة قام المعارض أحمد الجلبي الذي كان مقربا للبنتاغون بالانتقال جوا إلى جنوب العراق حيث حاول مئات من مقاتليه أن يضعوا «وجها عراقيا»، وكان تنفيذ الخطة بدون علم مسؤولي الإدارة الأميركية الكبار بمن فيهم كولن باول وزير الخارجية وجورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية.
ثالثا: بدلا من إرسال قوات إضافية لفرض النظام بعد سقوط بغداد ألغى رامسفيلد والجنرال فرانكس نشر فرقة الدبابات الأولى؛ وكان الجنرال ماكيرنان منزعجا للقرار حيث اتخذ في وقت كانت هناك حاجة كبيرة لتلك الفرقة للتعامل مع الفوضى التي عمت العراق آنذاك.
ومع تهيؤ القوات التي تقودها الولايات المتحدة لغزو العراق في مارس 2003 لم تتوقع أجهزة المخابرات الأميركية وقوع معارك ضخمة في جنوب العراق. وكان ضباط الـ«سي آي إيه» قد أخبروا آمري الوحدات العسكرية الأميركية ان العشائر المعادية لصدام حسين قد تحتل جسر الفرات الحيوي وتقدم دعما لها. لكن القوات وجدت نفسها منذ البداية في مواجهة فدائيي صدام الذين شكلوا في اواسط التسعينات لقمع انتفاضة الشيعة في الجنوب، اضافة الى مقاتلي حزب البعث. وقتل اول جندي اميركي على ايدي الفدائيين.
بعد معركة الناصرية بعث الليفتنانت كولونيل جوزيف أوبداكا برسالة اعتبرت سرية تقول إن «فدائيي صدام» سيستمرون في تشكيل تهديد. والكثير منهم قد وجدوا ملاذا لهم في المدن الصغيرة التي تم تجاوزها ضمن التحرك السريع صوب بغداد. وقارن الكولونيل «فدائيي صدام» بالمتمردين في نيكاراغوا والسلفادور وكولومبيا وحذر من أنه إذا لم تقم القوات الأميركية بتعقب هذه القوة فإن العدو سيستمر بهجماته بعد سقوط بغداد مما سيعرقل تحقيق الاستقرار في العراق.
وكان هناك قلق متصاعد من «فدائيي صدام» أيضا في مقر قيادة القوات البرية. وفي يوم 28 مارس ذهب الجنرال ماكيرنان آمر القوات الميداني إلى قاعدة الجالبة للالتقاء بقادة المارينز والقوات البرية. وأخبر الجنرال والاس الآخرين أن قواته تمكنت من احتواء القوات شبه العسكرية لكن إبقاء السيطرة عليهم سيكون ضعيفا. وكان قلقه ينصب في أن الفدائيين يهددون الاحتياجات اللوجستيكية المطلوبة للتقدم صوب بغداد. وقال حسب ملاحظات سجلها مساعد عسكري «لست متأكدا كم هو عددهم».
كذلك هو الحال مع الجنرال جيمس كونواي قائد قوات المارينز الميداني الذي عبر عن إعجابه بصلابة المقاتلين العراقيين. وظلت وحدات من تلك القوات تهاجم خطوط التموين الأميركية.
لذلك استنتج الجنرال ماكيرنان أن الولايات المتحدة تواجه «مركزي جاذبية»: الحرس الجمهوري المتمركز بالقرب من بغداد، والقوات غير النظامية (فدائيي صدام). وقرر أن يؤجل التقدم صوب بغداد لعدة أيام بينما يستمر الطيران في مواجهاته مع «فدائيي صدام». بعد ذلك قرر أن الوقت قد أصبح مناسبا لشن هجوم على بغداد وإسقاط صدام حسين من السلطة. وعند عودته إلى الكويت كان هناك غضب في واشنطن من تعليقات الجنرال والاس التي نشرتها الصحف. ومن ضمن ما قاله لصحيفة «نيويورك تايمز» إن «العدو الذي نحاربه مختلف قليلا عن ذلك الذي حاربناه في مناوراتنا والعابنا العسكرية. كنا نعلم أنهم هنا لكننا لم نكن نعرف كيفية قتالهم» وحينما سئل حول ما إذا كان القتال سيزيد من فترة الحرب أكثر مما توقعه بعض المخططين العسكريين قال «يبدو أن ذلك هو ما سيحدث».
كانت تلك التصريحات بالنسبة للجنرال فرانكس مساوية للتعبير عن عدم الثقة بخطته للحرب. وهي تعتمد على السرعة، وكان قد قال لرامسفيلد إن قواته قد تحتل بغداد خلال أسابيع قليلة. وفي واشنطن استخدمت تعليقات الجنرال والاس من قبل المنتقدين كدليل على أن رامسفيلد لم يبعث وحدات كافية. وقبل عام على ذلك كان وزير الدفاع الأميركي قد سخر من خطة الحرب الأولية والتي كانت تدعو لمشاركة ما لا يقل عن 380 ألف جندي فيها ودفع القيادة العسكرية الوسطى نحو عدد أقل من الجنود ونشرها بسرعة أكبر. لكن في مؤتمر صحافي جرى بالبنتاغون أنكر وزير الدفاع عن أن يكون قد لعب أي دور في صياغة خطة الحرب. وقال «إنها خطة الجنرال فرانكس. وهي خطة تطورت خلال فترة زمنية متواصلة».
وفي جلساته الخاصة لمّح رامسفيلد بنفاد صبره مع جنرالاته، وكان نيوت غينغريتش المتحدث السابق باسم الجمهوريين في مجلس النواب ومستشار رامسفيلد قد حول مذكرة مؤيدة من الكولونيل دوغلاس ماكغريغور الذي هاجم القيادة العسكرية باعتبارها تكره اتخاذ قرارات فيها عنصر مغامرة. وفي هجوم حاد شجب الكولونيل ماكريغور قرار تأجيل التقدم. وكتب وزير الدفاع ردا على غينغريتش «شكرا على رسالة ماكريغور. لا أحد هنا يفكر في هذه الطريقة».
ومن جانبه شعر الجنرال ماكيرنان بدهشته الشديدة للتهديد بإقالة الجنرال والاس. وعند التقائه بالجنرال فرانكس في مقر القيادة الوسطى بقطر عبر عن موقفه المضاد لإقالة الجنرال والاس، وقال حسبما ذكر غاري لاك الجنرال المتقاعد الذي كان مستشارا للجنرال فرانكس إن ماكيرنان قال إن الجنرال والاس ليس من أولئك الذين يتجنبون قتالا ما. وإذا تم التخلي عن تنحية الجنرال والاس فإن النقاش حول الاستراتيجية لم ينته آنذاك.
البحث عن وجه عراقي للحرب الاعتماد على المقاومة سيتضاءل إذا كان للغزو وجه عراقي. وهذا ما دفع الجنرال فرانكس إلى التحول نحو حليف لم يكن بالحسبان.
كان أحمد الجلبي الزعيم العراقي المقيم في المنفى من أكثر المحرضين على إسقاط صدام حسين وكان ينظر إليه بإعجاب من قبل بعض مسؤولي البنتاغون. وآنذاك كان متمركزا في شمال العراق مع مقاتليه. وعين كولونيل أميركي هو تيد سيل كي يكون حلقة الاتصال العسكرية.
وفي يوم 27 مارس طُلب منه الاتصال بمكتب الجنرال أبي زيد الذي كان يحتل موقع نائب الجنرال فرانكس. وما أراده الجنرال منه هو معرفة كم يمتلك الجلبي من مقاتلين وفيما إذا كان راغبا في نشرهم حسبما ذكر الكولونيل ستيل.
وقال الجلبي إن بإمكانه أن ينشر ما لا يقل عن 1000 مقاتل لكن الكولونيل ستيل قال إن 700 شخص سيكونون كافيين وستقوم القوة الجوية الأميركية بنقلهم جوا إلى قاعدة طليطلة الجوية في جنوب الناصرية.
ومع حرصه لتطمين البيت الأبيض من أن لديه حليفا عراقيا أخبر الجنرال فرانكس الرئيس بوش ان مقاتلين عراقيين من أجل الحرية سيشاركون القوات التي تقودها الولايات المتحدة. واستغرب فرانكلين ميللر نائب رئيس مجلس الأمن القومي لقضايا الدفاع للخطة فبعكس ذلك العدد القليل من أولئك المقاتلين العراقيين الذين تم تدريبهم من قبل الأميركيين في هنغاريا لم يتم التدقيق بهؤلاء المقاتلين أو تدريبهم على أيدي مدربين أميركيين.
اتصل ميللر بتينيت رئيس «سي آي إيه» السابق سائلا إياه: من هؤلاء المقاتلين من أجل الحرية؟ واجاب تينيت حسبما ذكره مسؤول كان حاضرا إنه لا علم له بالأمر.
حينما بدأ النقل الجوي لهم كان هناك 570 مقاتلا على أهبة الاستعداد. وبعد صعودهم في طائرة النقل سي ـ 17 أراد الجلبي أن يذهب أيضا لكن الجنرال أبي زيد عارض ذلك ذاكرا إنه في نقاش جرى بينه وبين بول وولفويتز النائب السابق لوزير الدفاع قال إن القيادة العسكرية يجب ألا تتخذ موقفا مع هذا الطرف أو ذاك من الاحزاب العراقية مستقبلا، لكن وولفويتز لم يتراجع عن موقفه. وقال إن مقاتلي الجلبي لا يريدون الذهاب بدون زعيمهم. وحينما استيقظ الجنرال أبي زيد في اليوم اللاحق كان الجلبي في قاعدة طليطلة، لكن مقاتليه لم يلعبوا أي دور في الحرب. فهم وصلوا بدون أسلحتهم ولم يتم الإشراف عليهم من قبل القوات الخاصة الأميركية بشكل مناسب. لكن بدا الجلبي الذي يحتل الآن موقع نائب رئيس الوزراء غير مستعد للردع بعد وصوله إلى طليطلة حيث ذهب إلى الناصرية وألقى خطابا هناك. وكان ذلك بداية عودته السياسية.
مع تصميمه على نخز جنرالاته الميدانيين كي يجددوا تقدمهم صوب بغداد سافر الجنرال فرانكس إلى مقر الجنرال ماكيرنان في الكويت يوم 31 مارس حيث وجه هناك نقدا لاذعا.
واشتكى من أنه لم يكن سوى القوات الخاصة البريطانية والأميركية الخاصة تقاتل حسب المشاركين في الاجتماع. وقال الجنرال فرانكس إنه متشكك بأن تكون فرقة الدروع الثالثة مشتبكة بشكل حقيقي في المعارك، وحذر من الإحراج الذي سيعقب ذلك إذا فشلوا في تحقيق الهدف. وقال إن المقاومة حول الاستيلاء على كربلاء ستكون قليلة وبالإمكان سحقها بسهولة. وعبر عن انزعاجه من عدم تدمير الفرقة العراقية العاشرة، لكن قادة المارينز والجنرال ماكيرنان يرونها لا تشكل أي تهديد للقوات الأميركية بعد ما لحقها من قصف جوي مكثف ويومي.
كانت احدى اللحظات الحرجة في الاجتماع حينما قال الجنرال فرانكس إنه لا يريد إبطاء التقدم بسبب حرص الجنرالات على تقليل الخسائر البشرية إلى أقصى حد على الرغم من أن أحدا لم يثر قضية الخسائر البشرية. ولرسم مشاعره بالضيق قام الجنرال فرانكس بوضع يده على فمه وتثاءب معبرا عن ملله من التباطؤ. وقبل انتهاء يوم 2 أبريل كانت القوات الأميركية تحاصر العاصمة العراقية. لكن رامسفيلد كان قبل البدء بالحرب يرى أن على الولايات المتحدة ألا تنشر قوات أكثر مما هو ضروري لتحقيق انتصار في الحرب وضمان السلام والاستقرار في العراق.
ومع تحرك الرياح لصالح الولايات المتحدة بدأ يثير قضية إلغاء نشر فرقة الدبابات الأولى التي تضم 16 ألف جندي. وفي الأخير وافق الجنرال فرانكس على ذلك. وعلى الرغم من أن الأخير أصر على أنه لم يتعرض للضغط لكنه اعترف لاحقا بأن وزير الدفاع طرح المسألة على الطاولة. وقال في مقابلة مبكرة أجرتها معه صحيفة «نيويورك تايمز»:«في الحقيقة كان رامسفيلد هو الذي اتخذ القرار لإلغاء إرسال فرقة الدبابات». ولم يكن الجنرال ماكيرنان أكبر الجنرالات في العراق راضيا في وقتها عن ذلك القرار لكنه لم يحتج.
بعد ثلاثة أعوام ومع فقدان آلاف الأرواح في العراق يقول ضباط كبار الآن إن إيقاف إرسال الفرقة المدرعة إلى العراق كان خطأ، إذ مع بدء «فدائيي صدام» والجهاديين بتنظيم حملتهم تم تخفيض عدد القوات الأميركية في العراق.
وقال الجنرال جاك كين الذي تقاعد من منصبه كنائب لرئيس الأركان في صيف 2003 «فاجأنا التمرد البعثي ونحن لم نطور خيارا شاملا للتعامل مع تلك الإمكانية. ومن ضمن المواجهات كان وضع شرطة عسكرية أكبر ووحدات لإدارة الشؤون المدنية ومحققين ومترجمين وقوات خاصة».
وأضاف «لو خططنا لمواجهة التمرد لكان علينا نشر فرقة الدبابات الأولى وكانت قد ساعدتنا كثيرا مع الاحتلال في أول مراحله. هذا ليس فشلا استخباراتيا بل هو فشلنا كقادة عسكريين».
*خدمة «نيويورك تايمز»
admin@assyrianconference.com
.© 2005, Assyrian General Conference .
All Rights Reserved