هل سيكون إشغال المناصب السيادية من قوميتين ومذهبين عرفاً دستورياً ؟

المحامي طارق حرب
*رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية *
17/4/2006

تدور في اجتماعات الكيانات السياسية لتعيين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب توجهات بأن تكون تلك الرئاسات من دين واحد (الاسلام) وقوميتين (العربية والكوردية) ومذهبين (السني والشيعي)..

واذا كان لمذهب واحد (مذهب اهل السنة) صاحب عنوانين من هذين العناوين ومذهب واحد (اتباع مذهب آل البيت (عليهم السلام)) من الشيعة له عنوان واحد هو رئيس مجلس الوزراء.. في حين ان للمذهب الاول عنوانين هما رئاسة الجمهورية ورئاسة السلطة التشريعية.. هذا ما حصل في السلطة السياسية التي تم تشكيلها في مجلس الحكم حيث تمثلت هذه فيه ثم تحقق ذلك في السلطة السياسية التي تم تشكيلها باسم الحكومة المؤقتة في 28/ 6/ 2004 حيث كانت رئاسة مجلس الرئاسة لرئيس عربي سني ونائبين احدهما عربي شيعي والآخر كوردستاني سني ورئاسة مجلس الوزراء لعربي شيعي ونائبين احدهما كوردستاني سني والآخر عربي سني ورئاسة المجلس الوطني (السلطة التشريعية) لكردستاني سني ونائبين احدهما عربي شيعي والآخر عربي سني.

وعند تشكيل الحكومة الانتقالية بعد انتخابات 30/ 1/ 2005 كان رئيس مجلس الرئاسة كوردستاني سني ونائبين عربي شيعي وعربي سني ورئاسة الجمعية الوطنية لعربي سني ونائبين عربي شيعي وكوردستاني سني ورئاسة مجلس الوزراء شيعي ونواب رئيس الوزراء كوردستاني سني وعربي شيعي وعربي سني وان كان هنالك نائب (نائبة) لرئيس الوزراء تركمانية سنية لم يسعفها الوقت في الحصول على موافقة الجمعية الوطنية لاشغال الكرسي الوزاري بسبب انشغال الجمعية الوطنية في الدستور والانتخابات الجديدة التي تمت في 15/ 12/ 2006 وكم كنا نتمنى ان تمنحها الجمعية الثقة البرلمانية.. لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه لان رياح الجمعية تجري بما لا تشتهي السفن (نائبة رئيس الوزراء).

واذا كان الاتجاه حاليا لدى الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب هو جعل رئاسة الجمهورية للتحالف الكوردستاني ورئاسة مجلس الوزراء للائتلاف العراقي الموحد (الشيعة) ورئاسة مجلس النواب لجبهة التوافق (السنة) بشكل عام.. واذا كان البعض ينتقد ذلك باعتباره ضربا من أضرب المحاصصة او تحت مبدأ (التكنوقراط) فان اولي الافهام السياسية لا يختلفون حول قبوله.. لسبب واقعي وسبب دستوري، أما السبب الواقعي فيتمثل في الحاجة الى اعطاء كل مكون من مكونات الشعب العراقي حقه بتمثيله في السلطة السياسية ومن المحال جعل هذه المناصب حكرا على مكون واحد او مكونين اثنين فذلك يعني تجاهلا للواقع العراقي وتغييبا لمكونات لابد ّ ان يأخذ استحقاقه في السلطة السياسية.. أما القول (بالتكنوقراط) فهي حجة وهنة ضعيفة سرعان ما تنهار امام حقيقة ان تلك الكيانات وأنصارها ومؤيديها تحتوي الكثير من (التكنوقراط) اذ ان التكنوقراط كما يكون خارج هذه الكيانات يكون بداخلها وهذه المحاصصة محاصصة جليلة وقسمة جميلة بين المكونات الاكبر في المجتمع العراقي.. والسبب الدستوري في قيام هذه المحاصصة ان الدستور لا يرفضها وانما يقبلها كونها لا تخالف احكامه فهي محاصصة سياسية وليست طائفية تسير بخط مواز لاحكام الدستور ولا يفارقها.. صحيح ان المبدأ المقرر في المادة (14) من الدستور هو ان العراقيين متساوون بصرف النظر عن القومية والدين والمذهب ولكن الاصح من ذلك هو استيعاب الحقائق الواقعية كما ان ارجاء الدستور وتعليقه للاحكام الخاصة برئيس الجمهورية وهو شخص واحد خوله الدستور تلك الصلاحيات وجعل رئاسة الجمهورية في مجلس الرئاسة المكونة من رئيس وعضوين واشتراط ممارسة الصلاحيات من هذا المجلس باجماع الثلاثة واتفاقهم خلال الدورة الانتخابية الحالية التي تمتد الى اربع سنوات هو من اهم تطبيقات المحاصصة السياسية.

ان المحاصصة السياسية التي تقوم بناء على محاصصة طائفية مقبولة في بعض الانظمة الدستورية.. فعلى الرغم من ان الدستور اللبناني لم يحدد طائفة شاغلي المناصب السيادية فان العرف الدستوري جرى في هذه الدولة على ان يكون رئيس الجمهورية من طائفة الموارنة المسيحية ورئيس الوزراء عربي سني ورئيس مجلس النواب عربي شيعي.
والحق احق أن يقال ويتبع وهو ان المحاصصة العراقية اذا كانت مقبولة في الواقع العراقي حاليا او في المستقبل القريب ولكنها تكون محل تأمل ونظر وتحر وتدبر في المستقبل، اذ ان لكل مقام مقالاً ولكل حادث حديثا ولا ينكر تغير الاحكام بتغير الازمان وما صلح لحال لا يصلح لجميع الاحوال. ويبقى السؤال قائما وهو هل ان هذه المحاصصة تعتبر بمثابة عرف دستوري له قوة الالزام بحيث لابد من العمل به ام انه لايعتبر عرفا دستوريا وبالتالي يجوز مخالفته والنأي عن العمل به.

وقد وردت كلمة العرف بمعان كثيرة قال الزمخشري: العرف هو المعروف الجميل الافعال وعرفه الفقيه النسفي بانه ما استقر في النفوس من جهة العقول وتكلفته الطباع السليمة بالقبول اما العرف اصطلاحا فهو استقرار العمل بقاعدة معينة مع الاعتقاد بلزومها واهم شروط العرف هو عدم معارضته لقاعدة دستورية وردت في نصوص الدستور واعتبر العرف المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القانون نحو ما ذكرته المادة (1) من القانون المدني العراقي وهو المعنى الذي ذهب اليه مجلس القضاء الاعلى في تفسيره لدعوة مجلس النواب للانعقاد كما تم نشر هذا التفسير في جريدة ”الصباح“ الغراء بعددها 784 في 11/ 3/ 2006 ومن المبادئ ذات العلاقة المعروف عرفا كالمشروط شرطا والعادة محكمة واذا كانت كتب الدستوري العراقي تورد امثلة في العرف الدستوري من انظمة دستورية خارج العراق فمن يقرأ التاريخ الدستوري العراقي يجد ان عرفاً دستوريا استقر في العهد الملكي وهو ان وفاة الملك تترتب عليه استقالة الوزارة وتشكيل وزارة جديدة على الرغم من عدم وجود نص في الدستور الملكي يوجب ذلك. وقد الزم المرحوم عبدالرحمن البزاز الذي كان رئيسا للوزراء في اواسط ستينيات القرن الماضي حيث تولى تقديم استقالته بعد وفاة عبدالسلام عارف رئيس الجمهورية سنة 1966.

ان العرف الدستوري هو قاعدة دستورية قام فيها العرف الى جوار دستور مكتوب ولا يكون الا في بلد صدرت فيه وثيقة دستورية او بعبارة اخرى هو قاعدة مطردة يقصد بها تنظيم العلاقات فيما بين السلطات الحاكمة بعضها ببعض او فيما بينها وبين الافراد واركان العرف الدستوري تكون في الركن المادي وهو التكرار المستمر لذات التصرفات من جانب الهيئات الحاكمة وفي موضوعات من جانب الكيانات السياسية التي تتولى تشكيل السلطة السياسية وتكون في الركن المعنوي اي لابد ان يقوم في الذهن ان هذه القاعدة واجبة الاتباع والعرف يكون على انواع عديدة منها العرف التفسيري حيث يتولى تفسير نص غامض او حكم مبهم في الدستور وقد يكون العرف الدستوري مكملا اي يتناول مسائل سكن الدستور المكتوب عن تبيانها فهو ينشئ قاعدة جديدة مكملة لاحكام الدستور وقد يكون العرف الدستوري مكملا سواء بالحذف او الاضافة في احكام الدستور. ونجد مثالا لهذا النوع من العرف في تشكيل السلطة السياسية من قبل الكيانات السياسية الممثلة في مجلس النواب وغالبية الفقهاء يقرون للعرف بقيمته من الوجه الدستوري وقد اسسوا ذلك على ان العرف الدستوري يقوم على الارادة القمعية الضمنية للمشرع وارادة الامة المفترضةفهو اعتراف الواقع الدستوري بالقواعد العرفية. واذ تعددت المذاهب وتنوعت المشارب في الاخذ بالمحاصصة السياسية على اساس المكونات الاجتماعية العراقية وزمن استمرار العمل بهذه القاعدة العرفية الدستورية محكوما بالمفسد الاسمى والهدف الاعلى وهو ان ذلك لابد ان يكون العراق الوطن والعراقي المواطن وسواه من المقاصد والاهداف لايقف امام ذلك الا كوقوف الرماد في يوم ريح عاتية.

admin@assyrianconference.com

.© 2006, Assyrian General Conference .   All Rights Reserved
^ العودة إلى اعلى الصفحة