|
دعوة رئيس الوزراء لوحدة الخطاب الحكومي.. النص الدستوري والسابقة التاريخية
جريدة الصباح
المحامي طارق حرب
14/9/2006
نادى رئيس مجلس الوزراء بعد اجتماع المجلس يوم 31 / 8 / 2006 بوحدة خطاب وزرائه وعلى مستوى الوظيفة العامة. وأذا كانت هذه الدعوة تجد أساسها الدستوري بما هو مقرر في الدستور العراقي حيث ان رئيس الحكومة هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة على وفق احكام المادة(78)من الدستور
ولما هو مقرر في الفقه الاداري من ان الرئيس الاداري هو صاحب الكلمة العليا النافذة على من يليه في سلم الوظيفة الادارية اضافة الى ان المرسوم والتقاليد للانظمة الديمقراطية توجب التزام جميع المسؤولين في الحكومة بما تتخذه من اجراءات وخطوات كما ان تاريخنا الوزاري لايخلو من سابقة وزارية تتمثل في اختلاف الخطاب بين رئيس الحكومة ونائبه وترتب على ذلك امر معين وهو ماورد في المرسوم الجمهوري 317 لسنة 1958 المنشور في الجريدة الرسمية بعددها 46 في 4/ 10/ 1958 ولكن في جميع الاحوال لابد ان يكون ماسنذكره داخلاً في باب ايقاد شمعة امام مجلس الوزراء لعظم المهام التي يحملها وخطورة المرحلة التي يؤدي في ظلها واجباته والتي تستدعي من جميع اعضاء المجلس لابل في كل موظف في الدولة تقديم كل الجهد للوصول الى تحقيق الاهداف والمقاصد التي اعلنتها الحكومة في المنهاج الوزاري باعتبار الجميع شركاء في هذه المهمة وقد التزموا امام مجلس النواب بهذه المسؤولية.
الحكم الدستوري في وحدة الخطاب
لقد قررت المادة(78) من الدستور ان رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة والقائد العام للقوات المسلحة يقوم بادارة مجلس الوزراء وتنص المادة(80) من الدستور على ان لمجلس الوزراء صلاحية تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة والخطط العامة والاشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة واصدار الانظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين وأبانت المادة(83) من الدستور ان مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء امام مجلس النواب تضامنية وشخصية. اما المادة (61) من الدستور فمنحت مجلس النواب سحب الثقة من أحد الوزراء او من رئيس الوزراء الذي يعد بموجبه الوزارة مستقيلة في حالة سحب الثقة منه وهكذا فأن رئيس مجلس الوزراء هو المكلف دستورياً مايلزم لضمان اداء الجهاز الحكومي لوظائفه وهو مسؤول امام السلطةالتشريعية( مجلس النواب) بأعتباره يمثل الشعب عن اداء هذا الجهاز لواجباته بما فيه نواب رئيس الحكومة والوزراء وجميع موظفي الدولة. وذلك ان الخلل الذي يقع من موظف في هذا الجهاز يحسب على رئيس مجلس الوزراء وقد يكون هذا الخلل سبباً في سحب الثقة عنه من قبل مجلس النواب وبالتالي فأن رئيس مجلس الوزراء يحافظ على وحدة خطاب وعمل جميع العاملين في الجهاز الحكومي والاداري. وليس له ان يتذرع بأن هذا الخطأ او ذلك الخلل لم يقع عنه وانما حصل من نائبه اومن احد الوزراء او احد الموظفين في الحكومة. فالمسؤولية الوزارية اما ان تكون مسؤولية فردية تنصب على احد نواب رئيس الوزراء او احد الوزراء او ان تكون تضامنية تقع على مجلس الوزراء بأكمله( رئيس الوزراء ونوابه والوزراء) لابل قد يترتب على الخطأ والاخلال الواقع من نواب رئيس الوزراء او أحد الوزراء واضطرار رئيس الوزراء على تقديم استقالته. واضافة الى ماهو مقرر دستوراً لمجلس النواب من صلاحيات رقابية على رئيس مجلس الوزراء حيث ان المادة( 61) من الدستور اجازت لعضو مجلس النواب توجيه الاسئلة الى رئيس الوزراء او طلب الاستيضاح منه اوحتى سحب الثقة لذ فأن مناداة رئيس الوزراء بوحدة خطابه مع خطاب نوابه والوزراء وسواهم من موظفي الدولة يجد سنداً دستورياً طالما انه المسؤول الدستوري الاول في الدولة.
الموضوع في القانون الاداري
يوجد عدد من المبادئ العلمية الاساسية التي يجب ان يقوم عليها التنظيم الحكومي السليم في التنظيمات الادارية العامة كافة ومن هذه المبادئ وحدة القيادة في الدولة الذي اضحى مبدأ رئيسياً للتنظيم الاداري حيث تضطلع ذات القيادة بتوجيه المنظمات الادارية كافة نحو تحقيق الاهداف العامة للدولة سواء أكانت هذه المنظمات من اشخاص نوايا رئيس الوزراء او الوزراء اوجميع الموظفي في الدولة.. ذلك ان الجهاز الاداري يتكون من وزارات وهيئات ومؤسسات ومديريات وادارات وسواها. ووحدة القيادة المتمثلة بمجلس الوزراء ورئيس الوزراء بتحقيق الاهداف العامة للدولة وتنسيق العمل بين هذه الاجهزة وضمان سيرها نحو الغايات بانسجام وقوع اختلاف او تنازع فيما بينها اثناء قيامها بأختصاصها. والمبدأ الثاني في القانون الاداري هو مبدأ وحدة الرئاسة والامر اي ان تتحد سلطة اصدار الاوامر والقرارات في مصدر واحد اذ يخضع الموظف المروؤس الى رئيس وامر يتلقى التعليمات والاوامر منه واحترام هذا المبدأ والالتزام به بوجب الالتزام بأوامر الرئيس الاعلى وان كان للرئيس الادنى سلطة اصدار اوامر فأنها يجب ان لاتخرج عن اوامر لرئيس الاعلى وتعليماته في نظامنا الاداري يكون رئيس الوزراء هو الرئيس الاداري الاعلى وهذا المبدأ يحقق الاستقرار في عمل الاجهزة الادارية والحكومة يضمن سير النشاط الاداري في سهولة ويسر ويحقق السرعة والدقة في تنفيذ الاوامر والتعليمات.
وحدة الخطاب في رسوم وتقاليد دول الديمقراطية واوطان الحرية
وغني عن البيان القول ان الدول المتقدمة والمتحضرة تقوم على وحدة الخطاب السياسي والاداري والاقتصادي سواء اكان ذلك على صعيد موظفي الدولة بمختلف درجاتهم الوظيفية او على صعيد الاحزاب السياسية. لذلك لايجوز للموظف الاداري مهما علت درجته الوظيفية حتى ولو كان وزيراً او نائباً لرئيس الوزراء الخروج عن المبادئ والاسس التي قررها رئيس الوزراء طالما انه وافق على الانضمام الى التشكيلة الوزارية ووافق على العمل كموظف في الدولة التي كان الرئيس الاداري والدستوري فيها رئيس الوزراء لانه شارك في السلطة والمسؤولية والامر ذاته يقال عن اعضاء حزب معين اذ لابد ان يلتزموا بأوامر الحزب التي يقررها زعيم الحزب. فاذا وجد نائب رئيس الوزراء او الوزير او الموظف انه لايشارك رئيس الوزراء في اجراءاته وفي سياساته لايكون امامه الا ترك المنصب الوزاري او مناقشة رئيس الوزراء في هذه السياسة فاذا ترك المنصب الوزاري وتخلى عن الوظيفة له ان يطعن بالحكومة ويوجه لها القدح والذم على سياستها واجراءاتها اما قبل ذلك فأنه لايجوز وهذا يتقرر بالنسبة لجميع موظفي الدولة فمن لم تكن له قناعة وايمان بسير العملية الحكومية فله الاستقالة من الوظيفة وليطلق لسانه بما شاء امام وسائل الاعلام والفضائيات اما قبل ذلك فلايجوز له اطلاقاً.
ذلك ان المادة(3) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة1991 فرضت التزامات عديدة على الموظف من بينها احترام الرؤوساء والتزام اللياقة والادب في مخاطبتهم واطاعة اوامرهم وكتمان المعلومات والوثائق التي يطلع عليها بحكم وظيفته ورئيس هذا القانون وقانون العقوبات اجراءات بحق الموظف الذي لايلتزم بهذه الاحكام تصل الى حد توقيع عقوبة السجن.اما مايذكره بعض الموظفين في الاستناد الى احكام حرية التعبير الواردة في الدستور فأنه ينم عن جمل مطبقة اذ لاحرية للموظف في التعبير عن سياسة الحكومة او انتقاداها او الطعن بها طالما لم يزل يحمل صفة الوظيفة فاذا خرج من الوظيفة عادت له تلك الحرية وله ان يطعن على هواه ويتكلم مايشاء وعمن يشاء بحق الوزارة والحكومة اذ يستعيد حريته في التعبير كما يقال.
لكن ذلك لايخل بحق الموظف في مناقشة الامور الخاصة بوظيفته مع وسائل الاعلام وان كان ذلك لايصل الى حد الطعن بالحكومة وهجائها. لذا فمن العجب العجاب والعجيب الذي من الاعاجيب ان يتولى موظف في وزارة الاسكان بمناقشة موضوع الدستور وان يتولى موظف في وزارة الثقافة الطعن آداء دائرة رسمية خارج وزارته وان يتولى موظف في الدولة تقديم برنامج سياسي اوان يكون ضيفاً في احدى الفضائيات ليناقش اموراً لاتدخل في واجبات وظيفته ويتجاوز باللفظ على امور تخرج عن اختصائصه على عمل الجهات الامنية مثلا. والاغرب غرابة في ذلك ان يبدأ هذا الموظف بالقول بأن سيادة القانون ودولة المؤسسات القانونية وهو لايعلم من ذلك الا الاسم فأن اول مبادئ سيادة القانون ودولة المؤسسات القانونية توجب عليه الالتزام بهذه المبادئ فبالله عليكم هل وجدتم موظفاً في وزارة او دائرة اميركية يناقش الرئيس بوش في حربه في العراق وهل وجدتم موظف في الجهاز الحكومي الانكليزي وجه نقداً الى رئيس الوزراء بسبب القوانين التي يقترحها كقانون مكافحة الارهاب مثلا وهل رأيتم موظفا فرنسيا انتقد الرئيس الفرنسي بسبب تأييده للدستور الاوروبي الذي رفضه الشعب الفرنسي والامثلة كثيرة ـ فأن اغلب المحللين السياسيين العراقيين وضيوف الفضائيات هم من موظفي الحكومة يستلمون الرواتب منها ويقولون الطعن في سياستها. ولااعلم لماذا لم يتول مجلس الوزراء تبنيه الموظفين بالنصوص القانونية السالفة ويطلب منهم عدم اعتبار أنفسهم ضيوفاً( لاقانونيين) في الفضائيات وان لايكتبو في الصحف الا في مسائل الوظيفة والمهنة التي يؤديها الموظف وبما يضمن حسن اداء الوظيفة لخدمة الجمهور ولكن هذه هي الفوضى التي وصلت الى حد ان بعض الوزارات تعقد مؤتمرات للموظفين والموظفات في امور سياسية كالدستور مثلاً وهي خارج اختصاص الموظفين. وكم كان الاولى بتلك الوزارات ان يكون عقد المؤتمرات فيما يزيد كفاءة الموظفين في امور وظيفتهم. فالجهة الوحيدةالتي لها سلطة النقد والقدح والطعن والذم والهجاء في الجهاز الحكومي وقول مايشأ هي السلطة التشريعية( مجلس النواب) كونه ممثلاً للشعب وهذه الامور ليست حقا له وانما واجب عليه. فلو تولت الجهة المختصة احالة الموظف الذي يرتكب هذه المخالفات الى القضاء وطبقت عليه الاجراءات المقررة قانونا لعرف حدوده ووقف عندها او لترك الوظيفة وله ان ينهال على الحكومة والوزارة والسلطات بموجع القول وافضع الكلام. اما ان تستمر هذه الفوضى الوظيفية فأن ذلك مؤثم عقلاً ومجرم قانوناً. اذ ان نؤسس لرسوم وتقاليد واصول تماثل تلك الموجودة في دول الديمقراطية واوطان الحرية.
السابقة التاريخية
وان كنا نؤمن ونعتنق بأن الوزارة بتشكيلها الحال الاسمى اخلاصاً للوطن العراق والاعلى اعتقاداً بالمواطن العراقي فأن التاريخ الوزاري يظهر لنا ان مجلس وزراء الجمهورية الاولى(جمهورية عبد الكريم قاسم) ثم تشكيل في 14/ 7/ 1958 وحصل اول تعديل وزاري له في نهاية شهر ايلول من السنة اي بمدة تصل الى شهرين ونصف فقط. حيث صدر المرسوم الجمهوري 317 المنشور في الجريدة الرسمية 46 في 4/ 10/ 1958 متضمناً اعفاء نائبا رئيس الوزراء.وان كنا لانقبل بذلك لاسباب واقعية وسياسية اولها حرصنا على استمرار التشكيلة الوزارية للسير بهذا البلد الى شاطئ الامان.
رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية
admin@assyrianconference.com
.© 2006, Assyrian General Conference - AGC .
All Rights Reserved