أيها العقاق السقام!

Jan 30, 2012




أيها العقاق السقام!

لماذا تتفاخرون بالأقزام، وتستهونون بالعظام؟

ما أسعد ذلك الإنسان الذي يرحل وقد ترك في ذاكرة أبناء أمته أجمل الذكريات، وأعطر المآثر، وأبهى الصور، عربوناً للتضحيات التي قدَّمها في سبيل منعة شعبه، وعزة أمته! وما أنبل ذاك الذي يكرس حياته من أجل نصرة شعبه وأمته! بلا مقابل ولا مِنّة ولا رد عطاء وعوض، ولا بُغْية للمديح والفخر والشهرة، سوى تحقيق سؤدد شعبه ومجد أمته، فهذا هو الكنز الذي لا يُفْسده العث، ولا يأكله السوس، وهذا هو النصر المبين. فالذين ضحّوا والذين يُضحّون وإن ماتوا فسيظلون أحياء في ضمائر وذاكرات وقلوب أبناء أمتهم إلى الأبد. إنه الخلود الحقيقي. ولا أغلى على نفس الشهيد المناضل إلاّ عندما يصير إسمه شعلة نور ، وأنشودة عذبة على أفئدة وألسنة أبناء أمته على مر الأزمان والأجيال، فبهذا الجزاء النفيس يهون عليه كل عذاب، وترخص كل تضحية، وسَتُوَّلِدُ الأمة المزيد من الأبطال المناضلين المُضحّين لأنهم سيخلدون في ذاكرتها، وأسماؤهم ستسطع على صفحات تاريخها.

كم يغيظني هذا الشعب البائس الذي مراراً وتكراراً وَصَفْتَهُ بأنه يفتقر إلى الحس السليم للتمييز بين الغث والسمين، وبين الصالح والطالح، وبين الراعي والذئب، وغالباً ما اختار ويختار المُضر الفاسد. لا أدري ما الذي فتل عقلهم وإدراكهم بالمقلوب، وما الذي أطبق على قلوبهم، وأغشى أبصارهم، وأصَمّ أسماعهم ؟ يبدو أن إله اليهود"يهوه" قد حقق وعيده لإله العظماء آشور وهو في قمة الانتصارات والضربات الموجعة على شعبه المختار، حين قال الأول متوعداً [ سيأتي اليوم الذي سأجعل أرضك يباباً ومدنك خراباً ينعق فيها البوم والغراب، وتسكنها الوحوش والزواحف، وسأفتت نسلك إرباً إرباً، يعادون بعضهم البعض، وسأجعله أحط وأضعف شعوب الأرض، وسأبعثره على كل سطح المعمورة، كما سأقنعه كي ينكرك ويذمك ويهينك ويوصمك بالصنم والوثن العابث، وسيبرأ منك، وسيتخذني رباً حقيقياً ومعبوداً مقدساً].

الأبناء العقاق الجهلة السقام يمجدون الأقزام ويقيمون لذكراهم الحفلات الصاخبة بينما يتغافلون عن الرجال العظام المخلصين الأوفياء الأبرار الذين ضحّوا من أجل وحدة هذه الأمة، وتحقيق انتصارها وحقوقها ومستقبلها المشرق، فكان جزاؤهم النبذ والإهمال والنسيان، إما بسبب الجهل في التاريخ، وإما بسبب التزمت الطائفي العضال، مِنْ هؤلاء الأفذاذ الملفان نعوم فائق، والآغا بطرس الذان تناسى مذهبيهما السرياني الأرثذوكسي والكلداني الكاثوليكي في سبيل نصرة هذه الأمة وعزتها وحقوقها المسلوبة.

1- الملفان نعوم فائق:

إبن إلياس بن يعقوب بالخ. وُلِد هذا المعلم القومي الكبير في آمد (دياربكر- تركيا) عام 1968 ولُقِّبَ بالفائق لتفوقه في العلم والمعرفة والرؤية الصائبة والمؤهلات الرفيعة، وخلال تعلمه وإتقانه للغة السريانية تعلَّم أيضاً عدة لغات أخرى منها التركية والفارسية والعربية والإنكليزية، عمل مبدئياً كمدرس للغة السريانية، وأسس جمعية "الانتباه" كما أصدر مجلة "كوكب الشرق". وفي عام 1912 هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مستمراً في نشاطه القومي، فأصدر مجلة "بيت نهرين" باللغتين السريانية والتركية، داعياً ومكرزاً فيها بوحدة الأمة بكل طوائفها ومذاهبها وأطيافها [ سريان، كلدان، نساطرة] مؤكداً على حب اللغة القومية، وحب الوطن "بيت نهرين" والإخلاص له. كان الملفان نعوم مفكراً وشاعراً وصحفياً مرموقا ًوماهراً، وظلَّ مستمراً في تحرير مجلته "بيت نهرين" حتى يوم وافاته المنية في الخامس من شهر إشباط "فبراير" 1930 فطوى الردى ذلك الفم الذهبي، ومشكاة النور، ونبراس الشعور القومي الطاهر المقدس.

من أقواله المأثورة [ من لا يعرف أن يتكلم بلغته، لا يعرف لماذا يعيش]

2- الجنرال آغا بطرس:

إبن إيليا بن مالك شليمون بيت يَقّيرا. وُلِد المناضل القومي الكبير في القرية التحتانية لعشيرة "باز" بجبال حكاري تركية. نشأ في أورميا إيران وتعلم في مدارسها وخاصة؛ لغة أمته، إلى جانب تعلمه وإتقانه لعدة لغات أخرى منها الفارسية والتركية والإنكيزية والفرنسية والعربية. في شبابه سافر إلى الولايات الأمريكية بغرض التجارة، ومكث هناك ثلاث سنوات، ثمَّ عاد إلى إيران حاملاً العديد من البنادق الحربية وزعها مجاناً على رجاله. عَيَّنته تركيا قنصلاً لها في إيران، ولكن حين اندلعت الحرب العالمية الأولى 1914 تخلّى عن هذا المنصب، وتفرغ لتنظيم وتسيير شؤون ميليشيا من الشباب الآشوري لحماية الآشوريين وكل المسيحيين في منطقة أورميا. وعندما وصل آشوريّي حكاري إلى أورميا هاربين من ضربات عدوهم الضاري الترك العثمانيين الحاقدين، والكرد الغدارين الطامعين، كان آغا بطرس في مقدمة المساعدين الكرماء للعناية بهم، وتلبية كافة حاجاتهم من السكن والفرش والغذاء. كما إنه انتظم فوراً في الجيش الآشوري الذي نظمه الروس المتواجدون هناك لتحرير حكاري وإنقاذ بقايا الآشوريين من الأسر والأسلمة. ونال آغا بطرس رتبة جنرال نظراً لبسالته وخبرته ومهارته في القيادة والتكتيكات الحربية، كما حصل على نياشين وأوسمة تقدير من مسؤولي عدة دول الحلفاء. كان إبناً باراً لأمته، وفياً للبيت البطريركي، لكن سورما خانم بيت مار شمعون التي كانت تقريباً مهيمنة على شؤون الملة، خانها ضميرها فتوجست منه خشية أن يستحوذ على حب الجماهير، فيسحب عن عائلتهم (يهودية الأصل) سلطتهم ومزاياهم وسيادتهم ومنافعهم، فتآمرت وألّبتْ عليه الإنكليز وكبحت مساعيه لتحقيق كيان ومستقبل لهذ الشعب البائس المضطهد المظلوم، ومما يدعو للأسف فإن معظم زعماء العشائر الجهلة الأميين وبدافع المشاعر الدينية أيَّدوها ووقفوا معها، فكانوا يلقبونه اتضاعاً بإبن الأرملة. حتى أخيرا اتُّهِم بخيانة الإنكليز في العراق  عن وشاية وغدر، كاد أن يعدم بسبب هذه التهمة المزيفة الظالمة لولا تاريخه المشرف، وأوسمته الأممية، ومنصبه الرفيع الذي كان أعلى من منصب الضابط الإنكليزي الذي كان يُحاكمه، فتقرر نفْيَه إلى فرنسا في شهر آب 1921 وأقام في مرسيليا كلاجىء سياسي، إلآ أنه لم يوقف نشاطه السياسي، ونضاله المستميت من أجل قضية شعبه وأمته حتى لحظة فراقه هذا العالم في شوارع مرسيليا بالسكتة القلبية( بعضهم يُروِّجون معلومة تسميمه بواسطة القهوة مع الآخرين من أصدقائه) في 2 إشباط "فبراير" 1932.

من أقواله المأثورة:

مخاطبا البطرك مار بنيامين [ الصليب لك، والسيف لي]

مخاطباً سورما خانم [ طاقيتي على أقدامك يا هانم دعي أن نحقق شيئاً لهذا الشعب المسكين الساذج] أجابته الغدَارة: بطرس بطرس شبعنا من لفك ودورانك وهراءك وهباءك.

مخاطباً ربَّه والدموع تملأ مآقيه [ يا رب لا تتركني حياً كي أرى ذلك اليوم الأسود الذي سيجلبه هؤلاء الزعماء الحمقى النزقين الأغرار على هذا الشعب الساذج البسيط] حقاً فإنَّ ربَّه لبّى دعاءه فنقله إليه بسنة وثمانية أشهر قبل أن تسبب الزعماء الأغرار(ياقو، ولوكو، والبطرك إيشا، وعمته سورما خانم) في وقوع المذابح على يد الحكومة العراقية والعشائر العربية والكردية واليزيدة والتركمانية في 7 أب (أغست)1933 والتي امتدت لأكثر من اسبوعين نازلين في القرى الآشورية قتل ونهب وسلب وحرق وهتك الأعراض وسبي الفاتنات بلا رحمة ولا شفقة تحت أنظار الإنكليز الخونة وعناصر الجيش الليفي الآشوري الجبناء الأنانيين الخالين من الحياء والنخوة والمروءة والمشاعر القومية.

أيها الأبناء المخلصون الواعيون إذا كنتم صادقين حقاً في شعوركم القومي وانتمائكم لهذه الأمة فهذين الرجلين رمزي الإخلاص هما أحق بالتمجيد والتذكير. فأجعلوا يوم الأحد الذي يقع بين تاريخ 2 إشباط و5 إشباط أو يوم الأحد الذي يلي 5 إشباط من كل عام موعداً لإقامة ندوات أدبية وطنية في ذكراهما، في كل مكان وجودكم من العالم، من كل المذاهب والشيع والملل.

 المهندس: زيا أوديشو                   


Copyright © 2005-2012 Assyrian General Conference - AGC - Lomada . All rights reserved
المؤتمر الاشوري العام ( لومادا )
^ العودة إلى اعلى الصفحة